ابن تغري

11

المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي

العاطفة ، ويعطى فيها المؤرخ كل ذي حق حقه دون إفراط أو تفريط . ويزداد الحرج الذي يصادفه كاتب التراجم والسير إذا كان بكتب عن شخص تربطه به صلة من الصلات . وهنا نكرر أن أبا المحاسن اختص بكتابه المنهل الصافي عصر دولتي المماليك الأولى والثانية . ولا شك في أن نسبة كبيرة من مشاهير ذلك العصر الذي ترجم لهم أبو المحاسن ربطته بهم روابط بعيدة أو قريبة ، قد تكون مجرد رابطة العاطفة والأحاسيس على الأقل ، مما يجعل الكاتب في حرج لا يقل عن حرج القاضي المنصف الذي عليه أن يصدر حكما على بعض من تربطهم به صلة ما . ويبلغ هذا الإحساس مداه عندما يترجم أبو المحاسن يوسف لوالده الأمير تغرى بردى ، إذ يقول ما نصه « انتهى ما أوردته من ترجمة والدي رحمه اللّه ، ولم أطنب في ذلك خوفا من قول القائل . . . » . ويلحظ المدقق في كتاب المنهل الصافي لأبى المحاسن تعففا من المؤلف في الخوض في مثالب الناس ، وأعراضا عن الخوض فيما يمس أعراضهم ، وعدم إسراف أو مبالغة في ذكر المحاسن والمزايا ، مع أمانة ملحوظة في تقصى الحقائق . وهذه الروح الطيبة في معالجة التراجم والسير لم تكن في حقيقة أمرها إلا تعبيرا صادقا عن أخلاق المؤرخ ابن تغرى بردى نفسه ، وهو الذي وصفه ابن إياس بأنه كان « حشما فاضلا » « 1 » . والواقع أنه إذا كان عصر سلاطين المماليك قد شهد نشاطا في كتابة التراجم والسير ، وهو النشاط الذي تمخض عن عدة كتب في التراجم مثل وفيات الأعيان لابن خلكان ، والوافي بالوفيات لابن أيبك الصفدي ، والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر ، والضوء اللامع للسخاوي ، فضلا عن التراجم التي ذكرها

--> ( 1 ) ابن إياس : بدائع الزهور ، ج 2 ص 118 .